ابن قتيبة الدينوري
105
الإمامة والسياسة ( بيروت )
على المنبر ، يحمد اللَّه وهو موهون ، قد أثرت فيه العلة ، وأنهكه المرض وإنما كان متحملا لأجل قدوم موسى ومن معه . فلما رآهم بهت إليهم ، وقال الناس : موسى ؟ موسى ، ثم أقبل حتى سلم على الوليد ، ووقف الثلاثون بالتيجان ، عن يمين المنبر وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد اللَّه تعالى والثناء عليه ، والشكر لما أيده اللَّه ونصره [ ( 1 ) ] ، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله ، وأطال حتى فات وقت الجمعة ، ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس ، ثم دعا بموسى ، فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرّات ، وأجازه بخمسين ألف دينار ، وفرض لولده جميعا في الشرف ، وفرض لخمس مائة من مواليه ، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر ، وملوك الروم ، وملوك الأشبان ، وملوك أفرنجة ، ثم أدخل عليه رؤوس أهل البلاد ممن كان معه من قريش والعرب ، فأحسن جوائزهم ، وفرض لهم في الشرف ، ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما [ ( 2 ) ] ، ثم إن الوليد هلك . ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى قالوا : لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد ، فكان أحنق الناس على الحجاج [ ( 3 ) ] وموسى بن نصير ، وكان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما ، وكان حنقه عليهما لأمر يطول ذكره . قال : 300 فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه ، فقال : إني صالب غدا موسى بن نصير ، فبعث عمر إلى موسى فأتاه . فقال له : يا بن نصير ، إني أحبك لأربع . الواحدة : بعد أثرك في سبيل اللَّه ، وجهادك لعدوّ اللَّه . والثانية : حبك لآل محمد صلى اللَّه عليه وسلم . والثالثة : حبك عياض بن عقبة لما تعلم من حسن رأيي فيه ، وكان عياض من عباد اللَّه الصالحين ، والرابعة : أن لأبي عندك يدا وصنيعة ، وأنا أحبّ أن تتمّ يده وصنيعته
--> [ ( 1 ) ] زيد في البداية والنهاية : ووسع ملكه . [ ( 2 ) ] مرّ قريبا أن موسى بن نصير قدم على الوليد قبل موته بثلاثة أيام . [ ( 3 ) ] يعود حنق سليمان بن عبد الملك على الحجاج إلى : - أن الحجاج كان قد أجاب الوليد عندما أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع لولده عبد العزيز . - كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد الملك كتبا فلا ينظر له فيها فكتب إليه سليمان كتابا يتهدده فيه ، ورد عليه الحجاج بكتاب سخر فيه منه ومما جاء فيه : إنك لصبي حديث السن ، تعذر بقلة عقلك وحداثة سنك . . . ( نص كتاب سليمان وجواب الحجاج عليه في العقد الفريد 5 / 41 / 42 ) . وقد مات الحجاج سنة 95 في حياة الوليد وقبل أن يلي سليمان الخلافة .